محمد بن زكريا الرازي

140

الحاوي في الطب

اختلط ، ورأيت قوة الحمى قد تزايدت ، ورأيت ظاهر البدن قد سخن أكثر مما كان يسخن واحمر أكثر مما كان يحمر ، ورأيت بخارا حارا يرتفع من البدن - لم يكن يرتفع فيما قبل ذلك . فإن وجدت مع هذا نبض العرق قد صار موجيا ولان لينا بيّنا فليقو رجاؤك بالعرق . فأما النبض الصلب فيدل على القيء ، والنبض المشرف علامة مشتركة لجميع أنحاء الاستفراغ ، وكذلك النبض القوي . فأما متى كان النبض عظيما فهو يدل على حركة الطبيعة إلى ظاهر البدن ، لا إلى باطنه ، وكل واحدة من هاتين الحركتين تكون على ضربين : أما الحركة إلى خارج فبدم يجري من المنخرين أو من غيرهما أو بعرق ؛ والحركة إلى داخل إما باختلاف وإما بقيء ؛ والنبض الموجي يدل على العرق ؛ والنبض العظيم فقط - ليس بموجي - يدل على الدم ، فبهذا الطريق يستدل على حركة الطبيعة إلى خارج البدن . ومتى مالت الطبيعة إلى داخل ثم لم تكن علامات القيء حاضرة فالبحران يكون باختلاف ، وإن كانت علامات القيء حاضرة فالبحران يكون بالقيء ، وإن كانت علامات القيء حاضرة وتبين في الاختلاف تزيد فالبحران يكون بهما جميعا . ونبض العرق في أكثر الحالات من البحران يكون مختلفا ، ولا سيما إذا كان مع البحران جهد عظيم ؛ إلا أن ذلك الاختلاف يكون على أكثر حالاته إذا انصب إلى المعدة مرار ، فإنه عند ذلك مع ما تظهر من علامات القيء يختلف النبض في جميع حالاته لما يصيب رأس المريء والمعدة من اللذع والثقل من الشيء الذي سال إليهما . وأما علامات القيء ، فهي : وجع الفؤاد مع صداع وسدر مع سواد يتخيل للعين واختلاج الشفة السفلى ولعاب كثير يتحلب من الفم ، وجميع هذه الأشياء يعرض إذا اجتمع في المعدة الكيموس من جنس الصفراء اللذاع يلذع فم المعدة وجذب المريء كله إلى داخل وإلى أسفل ، ولذلك تختلج الشفة ويتحلب الريق ويتخيل قدام العين سواد ويعرض السدر والدوار والصداع ؛ وذلك يعرض بضربين : أحدهما بخار مرتفع من ذلك المرار إلى الرأس ، والآخر مشاركة العصب للمعدة في الألم . وأما علامات الرعاف خاصة فالشعاع أمام العين ، وذلك من قبل حمرة الدم ؛ ومنها الغشاوة ، وذلك لأن الدم إذا ارتفع منه شيء كثير دفعة سد طرق الروح ؛ ومنها الدموع ، وذلك يكون لكثرة ما يسيل إلى العين كما يكون في الرمد ، ولهذه العلة تحمر العين مع الوجنة والأنف ويحضر الرعاف . وأيضا تمدد يعرض فيما دون الشراسيف من غير وجع ، لأن هذه العلة أيضا تدل دلالة قوية على ميل الدم إلى الناحية العالية وكذلك تغير النفس ، فإنه أيضا إنما يعرض عند مرور الدم في الصدر ، فإن كان تمدد ما دون الشراسيف مع وجع بلين ، ذلك لم يدل على رعاف كائن ، لكنه دال على ورم حدث في المواضع التي فيها التمدد .